تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

29

مباحث الأصول

صورتي العلم أو بين المعلومين بالذات ، فإحداهما : صورة صافية غير مخلوطة بالإجمال والإبهام ، والأخرى : صورة غير صافية ، ومخلوطة بالإجمال والإبهام ، فهذه الصورة وإن لم يمكن خارجا تجزئتها إلى حصّتين لكنّها - بحسب التحليل العقليّ - تجزّأ إلى حصّتين : إحداهما نور وانكشاف ، والأخرى ظلمة وإبهام ، والَّذي يطابق تمام الفرد الخارجيّ إنّما هو تمام هذه الصورة ، لا خصوص جانب الانكشاف منها ، ونحن وإن كنّا لا نتعقّل في الصورة العلميّة هذا الازدواج حتى نسمّي المجموع بالعلم ، أو بأيّ اسم آخر ، إلَّا أنّ مفروض هذا المبنى هو تعقّل الازدواج في صورة واحدة بين الانكشاف والإبهام ، وسواء سمّينا هذا المجموع بالعلم ، أو بأيّ اسم آخر ، فالواقع هو أنّ البيان إنّما يكون بمقدار ما في الصورة من نور وانكشاف ، وهو بمقدار الجامع . وأمّا ما فيها من ظلمة وإبهام فليس بيانا ، ومخرجا للشيء عن قاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) بحرفيّتها ، فالمقدار المنجز هو الجامع لا أكثر . وهنا لا بأس بإلفات النّظر إلى نكتة تعود لما سبق ، فقد مضى ذكر إشكال على ما اختاره المحقّق العراقيّ في تحقيق حقيقة العلم الإجماليّ مستخرج من كلمات المحقّق الأصفهانيّ ، من أنّ الحدّ الشخصيّ للفرد هل هو داخل تحت الصورة الإجماليّة أو لا ؟ فإن قيل : لا ، كان علما بالجامع . وإن قيل : نعم ، لزم انقلاب العلم الإجماليّ إلى التفصيليّ إن فرض ذلك الحدّ الشخصيّ معيّنا ، وإلَّا جاء إشكال الفرد المردّد . أقول : لو اقتصر في مقام الإشكال على المحقّق العراقيّ على هذا المقدار من البيان ، أمكن أن يقال في مقام التفصّي عنه : إنّ الحدّ الشخصيّ داخل في هذه الصورة الإجماليّة ، لكن لا في جانب الانكشاف منها ، بل في جانب الإبهام منها . إذن فلا بدّ من إضافة شيء إلى ذاك الإشكال وهو : أنّ الإبهام - في الحقيقة ليس صورة ، بل عبارة عن عدم الصورة ، وإنّما الصورة عبارة عن نفس الانكشاف . وعلى أيّة حال ، فقد تحصّل أنّه على جميع المباني لا مقتضي لوجوب الموافقة القطعيّة . والإنصاف : أنّ هذا من فضائح القول بقاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) بحرفيّتها ، إذ كيف يقبل الوجدان أن يقال بجواز المخالفة الاحتماليّة لحكم علم إجمالا من قبل المولى تعالى من دون جعل براءة شرعيّة في المقام ، وأنّه ليس له حقّ الطاعة أزيد من الموافقة الاحتماليّة لذلك ؟